الشنقيطي

352

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ولا يخفى أن كلام ابن كثير هذا صواب ، وأن رده على الرازي واقع موقعه ، وأن تعلم السحر لا ينبغي أن يختلف في منعه ؛ لقوله جل وعلا : وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [ البقرة : 102 ] . وقول ابن كثير في كلامه المذكور : وفي الصحيح « من أتى عرافا أو كاهنا . . الخ » - إن كان يعني أن الحديث بذلك صحيح فلا مانع ، وإن كان يعني أنه في الصحيحين أو أحدهما فليس كذلك . وبذلك كله تعلم أن قول ابن حجر في ( فتح الباري ) ؛ وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأمرين : إما لتمييز ما فيه كفر من غيره . وإما لإزالته عمن وقع فيه . فأما الأول : فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد ، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعا ؛ كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان ؛ لأن كيفية ما يعلمه الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل ، بخلاف تعاطيه والعمل به . وأما الثاني - فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق - فلا يحل أصلا ، وإلا جاز للمعنى المذكور ا ه خلاف التحقيق ، إذ ليس لأحد أن يبيح ما صرح اللّه بأنه يضر ولا ينفع ، مع أن تعلمه قد يكون ذريعة العمل به ، والذريعة إلى الحرام يجب سدها كما قدمناه . قال في المراقي : سد الذرائع إلى المحرم * حتم كفتحها إلى المنحتم هذا هو الظاهر لنا . والعلم عند اللّه تعالى . المسألة الثامنة اعلم أن العلماء اختلفوا في حل السحر عن المسحور ؛ فأجازه بعضهم ، ومنعه بعضهم . وممن أجازه سعيد بن المسيب رحمه اللّه تعالى . قال البخاري في صحيحه ( باب هل يستخرج السحر ) : وقال قتادة : قلت لسعيد بن المسيب : رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته ، أيحل عنه ، أو ينشر ؟ قال : لا بأس به ، إنما يريدون به الإصلاح ؛ فأما ما ينفع فلم ينه عنه ا ه . ومال إلى هذا المزني . وقال الشافعي : لا بأس بالنشرة ؛ قاله القرطبي . وقال أيضا : قال ابن بطال : وفي كتاب وهب بن منبه : أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ، ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل . فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء اللّه تعالى ، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله - انتهى منه . وممن أجاز النشرة وهي حل السحر عن المسحور : أبو جعفر الطبري ، وعامر الشعبي وغيرهما . وممن كره ذلك : الحسن . وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما سحره لبيد بن الأعصم : هلا تنشرت ؟ فقالت : « أما اللّه فقد شفاني وكرهت أن أثير على الناس شرا » .